الآثار التضخمية للتجارة الدولية في ظل العولمة

الآثار التضخمية للتجارة الدولية في ظل العولمة

د. توفيق الطيب البشير

يشهد الاقتصاد العالمي مع إطلالة الألفية الثالثة كماً هائلاً من التناقضات التي تتأرجح سلباً وإيجاباً بين التفاؤل والتشاؤم ، وتجمع بين الغبطة بالإنجازات المذهلة في عالم المعلومات والاتصالات وبين الخوف من مستقبل هذه النقلة النوعية التي تحققت في مجال التقنية والعلاقات الإنسانية.

وتشتد الأزمة وتمضي في طريقها نحو القمة رغم الاكتشافات والابتكارات التي لا تصدقها العين المجردة ، ذلك لأن النوايا المبيتة للعالم النامي والرغبة في التهامه والقضاء عليه ، والأطماع الوحشية المشاهدة ،  تجعل الاستفادة من هذه التحولات أمراً مشكوكاً فيه -على الأقل – من الناحية العملية وفي الوقت الراهن   ولا سيما في ظل ملكيـة المشـروعات التجـارية التي تسيطر عليها حوالي 750 شركة عالمية فقط .([1])

وفي ظل التكتلات الدولية وعمليات الاندماج الكبرى مع التخطيط الدقيق لإفلاس المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، ومع انتشار مفهوم العولمة ، باعتبارها عملية يقصد منها زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات يبدو هناك غموض شديد في تحديد مدلول هذا المصطلح ومدى فائدته بالنسبة للعالم النامي .([2])

وتلوح في الأفق معركة كبرى أيدلوجية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تدور حول قبول أو رفض المجتمعات للعولمة ، فهناك اتجاهات رافضة لها بإطلاق باعتبارها (أمركة) أو (أوربة) أو نحو ذلك لسائر الشعوب والجماعات وهناك اتجاهات مطالبة بالمزيد من العولمة باعتبارها لغة العصر القادم دون أدنى اهتمام بالسلبيات الخطيرة التي تفرزها على هذا النهج ، كما أن هناك اتجاهات معتدلة تحاول فهم القواعد الحاكمة للعولمة وعوامل ضبطها والتعامل معها وفق قيم ومعتقدات لا يمكن التنازل عنها.

ومهما يكن من أمر فالعولمة بنواياها الراهنة ربما لا تتجاوز مفهوم الهيمنة أو السيطرة الكاملة – على الأقل من الناحيتين السياسية والاقتصادية – على موارد ومقدرات العالم الثالث وتطويعها بما يجعلها أسواقاً دائمة لمنتجات العالم المتقدم اقتصادياً بل ومستهلكين من الدرجة الأولى دائماً.

ونحن في هذا المقال الموجز لا نريد أن نذهب بالعولمة لأكثر من مدلولها الاقتصادي والذي اتبعت فيه الدول المتقدمة اقتصادياً آليتين مهمتين : هما التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر بعد محاولات طويلة بذلت لإزالة الحواجز والحدود الإقليمية والسدود الجمركية المعيقة لانسياب السلع والخدمات وذلك عبر ما يسمى بالشركات العالمية المتعددة الجنسيات (Multinational corporations) ولعل أهم ما هدفت إليه الدول المتقدمة اقتصادياً في هذا المضمار هو تغيير نمط وإدارة التسويق العالمي بكفاءة وفعالية وذلك من خلال محورين هما : انتقال السلع والخدمات إلى جميع المستهلكين والمستوردين أينما كانوا من جهة وإيصال المستهلكين والمستوردين إلى السلع والخدمات حيثما كانت من الجهة الأخرى .

المحور الأول : تحرير التجارة الدولية :-

ويقصد به انتقال السلع والخدمات إلى جميع المستهلكين والمستوردين في جميع أنحاء العالم بلا قيود ولا عوائق ، وهذا ما نظمته البلاد المتقدمة اقتصادياً فيما يسمى بمنظمة التجارة العالمية والتي كانت ثمرة اتفاق أوروجواي الذي وقع في أبريل 1994 م ، في مراكش بعد تعثر ومخاض شمل سبع جولات للحوار والتفاوض بدءاً من جولة جنيف عام 1947 م ،  وانتهاء بجولة طوكيو والتي استمرت من عام 1973م وحتى 1979م .([3])

ولعل من أهم آثار هذه الاتفاقية المتوقعة أن ترتفع قيمة التجارة الدولية إلى 755 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2005 م ، وهي نسبة من المتوقع أن تفوق معدلات نمو الإنتاج العالمي. .([4])

ويدور محور آليات هذه الاتفاقية حول حظر القيود الكمية وتخفيض أو إزالة الحماية الممنوحة للإنتاج المحلي من خلال تخفيض الرسوم الجمركية الحمائية وإزالة القيود المعيقة للتجارة الدولية ، ومن خلال مبدأ الدولة الأولى بالرعاية بحيث ألا يتم التمييز بين منتجات الدول الأعضاء ، كما يحظر على الدول الأعضاء التمييز بين المنتجات المحلية والمنتجات الأجنبية المتماثلة سواء كان هذا التمييز من خلال فرض ضرائب محلية إضافية على المنتجات الأجنبية أو نتيجة لتطبيق أنظمة محلية تؤدي لمثل هذا التمييز.

وخلاصة الخلاصة في هذه الاتفاقية هو تحرير التجارة الدولية تحريراً ينأى بها عن الصعوبات ويعمل على تسهيل انسيابها ( سلعاً وخدمات) من البلاد المنتجة إلى البلاد المستوردة دون عوائق.

المحور الثاني : توسيع نطاق التجارة الإلكترونية :-

ويقصد به إيصال المستهلكين والمستوردين في جميع أنحاء العالم إلى مواقع الإنتاج والخدمات بلا عوائق ، وهذا ما نظمته البلاد المتقدمة اقتصادياً  فيما يعرف بالتجارة الإلكترونية والتي كانت ثمرة طبيعية لتوسيع نطاق شبكة الإنترنت وإزالة الحواجز أمامها لتصل بدورها إلى كل بيت ، وبالفعل فقد تزايد نشاط الأعمال على الإنترنت كأنما كل فرد يمثل دوراً في هذا النشاط.

وقد صارت التجارة الإلكترونية جزءاً من نشاط مؤسسي واسع النطاق تتعامل فيه الشركات الكبرى بالبيع والشراء فضلاً عن إعطائها الفرصة الواسعة لعرض منتجاتها وخدماتها إعلانياً ، لدرجة أن 46 مليوناً من سكان الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ، يستخدمون التجـارة الإلكترونية فيما تبلغ قيمتــه 16 ملياراً من الدولارات ســنوياً ، ومن المتوقع أن ترتفــع هذه النسبة إلى 54 ملياراً عام 2002م وقد تم مؤخراً التوقيع على قانون التوقيعات الإلكترونية في التجارة العالمية في الولايات المتحدة الأمريكية في قفزة جديدة لتعزيز نشاط وتقنين عمليات التجارة الإلكترونية . ([5])

وفي الوقت الراهن يخشى كثير من مستخدمي الإنترنت ولا سيما في العالم الثالث من الدخول في عالم التجارة الإلكترونية باعتباره خطراً لا تحسن المغامرة معه ، وعلى خلاف ذلك يرى كثير من الباعة والمحللين أن مخاطر التجارة الإلكترونية أقل – نوعاً ما – من مخاطر التجارة التقليدية ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى مخاطر استخدام البطاقات الائتمانية عند تقديمها مباشرة للتجار والمتعاملين لأنه من السهل استخدام رقمها بسوء نية فيما بعد ، الأمر الذي لا يحدث غالباً في التجارة الإلكترونيــة لعدم ظهور رقــم البطاقة الإلكترونية على شاشات الإنترنت.

وليس من شك في أن التجارة الدولية بشقيها التقليدي والإلكتروني ذات فوائد جليلة ربما يخطئها العد إن حاولنا إحصاءها ، ولا يخفى أيضاً ما تفرزه من سلبيات خاصة في نطاق الاقتصاديات الإقليمية للدول النامية ، وقبل أن نتناول هذه السلبيات المحتملة فلا بد من إشارة خاطفة حول إيجابيات تجارة القرن الجديد والتي نجملها في تأمين النفاد إلى الأسواق واستقراره وتسريع إجراءات الاستيراد خاصة للمواد الأولية وللمدخلات الإنتاجية الأخرى وضمان حق المستوردين والمصدرين في الدفاع عن مصالحهم بالإضافة إلى آثار أخرى إيجابية على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية كالصناعة والزراعة والخدمات ([6]) ولكن كل ذلك يجب ألا يثنينا عن الحديث حول مخاطر هذه التجارة (المعولمة) .

الآثار التضخمية للتجارة الدولية الحديثة :

لا تخلو الأنماط الحديثة للتجارة الدولية بشقيها التقليدي والإلكتروني من بعض السلبيات العامة ذات الانعكاسات التي ربما تكون خطيرة على الاقتصاد الكلي ولا سيما في البلاد المتخلفة ذات الاقتصاديات المتأرجحة والمتقلبة بل والمنهارة يوماً بعد يوم ، ومن أهم هذه الانعكاسات هو تعزيز المنافسة الدولية مما ينعكس إيجاباً على الواردات الأساسية وسلباً على الصادرات الأساسية باستثناء النفط وبعض المواد الأولية -على الأقل – في الوقت الراهن.

ولا شك أن هذه الانعكاسات لها تأثيرها التضخمي على الدول الفقيرة حيث تضطر إلى خفض قوتها الشرائية لتعزيز صادراتها دولياً وتخفيض الميل الحدي للاستيراد لدى شعوبها لتحدث توازنا من نوع ما في ميزانها التجاري .

والتضخم ليس له تعريف جامع مانع يتفق عليه جميع الاقتصاديين بل هناك اختلاف حول الظاهرة نفسها ، فمن الاقتصاديين من تعامل معها كظاهرة نقدية ينظر إليها من خلال تأثيرات التغير في قيمة النقود والقوة الشرائية ومنهم من تعامل معها كظاهرة اقتصادية واجتماعية مركبة ومتعددة الأبعاد . ([7]) وإذا سمح لنا الاقتصاديون الكبار فسنقول إن كلتا الظاهرتين موجودة بأبعادها وحدودها وتأثيراتها ومؤشراتها ، فالتضخم النقدي والذي يقصد به الزيادة المستمرة في أسعار السلع والخدمات كنتيجة للزيادة في كمية النقود سواء كان ذلك بسبب زيادة الإصدار النقدي ( عرض النقود ) أو بالتوسع في عمليات الائتمان له آثار ملموسة ومستفحلة ومزمنة في كثير من بلاد العالم الثالث .

والتضخم الاقتصادي والذي يقصد به الزيادة المفتعلة في أسعار السلع والخدمات التي تستخدم كأداة لامتصاص تناقضات البناء الاقتصادي الرأسمالي فتعمل على تحقيق التوازن الكلي في العرض والطلب والناتج القومي والدخول الموزعة والتوزيع النسبي للدخول بين عوائد الملكية وبين الأجور له آثار إذا استخدمت لفترات طويلة ، نعايشها واقعاً ونعيشها حقيقة لا تقبل الجدل في كثير من البلدان النامية ، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل .

والتضخم بشقيه النقدي والاقتصادي صار من أكثر الصادرات شيوعاً  لعالمنا النامي ، ويعتبر الدكتور فؤاد مرسي أن التضخم المستشري في البلاد الرأسمالية المتقدمة اقتصادياً هو من أهم المصادر الرئيسة للتضخم في الاقتصاد الدولي استناداً إلى بعض تقارير الأمم المتحدة . .([8])

وهو يرى أن التضخم يصدر إلى جميع البلاد النامية من خلال حركة التجارة الدولية ويقول إن البلاد الرأسمالية التي تسيطر على 75% من التجارة العالمية تقوم بتصدير التضخم في أكثر من 80% من صادراتها ووارداتها . ([9])

 وهنا يكمن الخطر لأن الأسلوب الحديث للتسويق التجاري الدولي وتحرير التجارة سيكون لهما آثار أبلغ وأعظم مما حدث في الماضي إذا لم تكن هناك آليات أكثر تطوراً لمراقبة الائتمان المصرفي وبعبارة أكثر شمولاً سياسات نقدية واعية تماماً بالمستجدات الدولية في مجال التجارة والاقتصاد .

ومن أهم أسباب زيادة الفجوة التضخمية المترتبة على تحرير التجارة الدولية هو تعزيز المنافسة الخارجية لصالح البلدان المتقدمة اقتصاديا ولاسيما بدخول قطاع الخدمات ضمن اتفاقية أوروجواي والتي تعني تحرير الأنشطة الخدمية من القيود المفروضة عليها إذا ما أراد منتج الخدمة ممارسة نشاطه داخل إطار البلد المعني ([10]) وذلك لأن هذه الخدمات تسيطر عليها بلا منازع الشركات العالمية متعددة الجنسيات من حيث الجودة والتكلفة وسرعة التطوير ومواكبة المستجدات ، ومن الصعب أن تنافس هذه الشركات شركات الخدمات في العالم الثالث أو الرابع ( كما يسميه بعض علماء التنمية ) ، وهذا بالطبع سيؤدي إلى رفع أسعار الخدمات بسبب احتكارها دولياً مما يولد ضغوطاً تضخمية بسبب هذه الشركات الخدمية العاملة في مجال النقل والاتصالات والمقاولات وغيرها .

كما أن الناظر بعمق لطبيعة المشتريات الدولية ولا سيما تلك التي تنتظم التجارة الإلكترونية يلحظ منذ الوهلة الأولى أنها تميل إلى الطابع الاستهلاكي البحت ويمثل الحاسب الآلي ومستلزماته الشق الأكبر من مشتريات التجارة الإلكترونية ([11]) مما يعني أن هذا النطاق الجديد قد ولّد معه استيرادا  ذا طبيعة خاصة به ، وهذا من شأنه أن يزيد من الرقعة الائتمانية في مجال الانفاق الاستهلاكي مما ينعكس سلباً على معدلات الادخار والاستثمار كدوال ذات علاقة مباشرة بالدخل القومي ، كما أن زيادة الطلب على هذا المجال المتخصص مع احتكاره من قبل شركات كبرى ربما يساعد على رفع أسعاره مما يؤدي انخفاض القوة الشرائية للنقود وإحداث فجوة تضخمية .

كما أن تحرير التجارة الدولية سيؤدي حتماً إلى انهيار الصناعة المحلية الموجهة إلى السوق الداخلي وتسمح بانسياب السلع الترفيهية في حين يقل عبء الضرائب على مجموعات الدخل المرتفع نتيجة لتخفيض رسوم الاستيراد على السيارات والسلع المعمرة ولا تحل السلع الاستهلاكية المستوردة محل الإنتاج المحلي فحسب بل إن هذه الحمى الاستيرادية القائمة على أموال مقترضة ( من خلال مختلف القروض سريعة الدفع ) تسهم في النهاية في تضخم الدين الخارجي.([12])

وليس هذا هو نهاية المطاف بل الحلقة مفرغة ومستمرة ، فالتضخم الذي تولد لا بد أن يقترن بزيادة في الدخول النقدية نتيجة للتوسع في إصدار النقود أو التوسع في الائتمان التي تتبعها بعض الدول كسياسة لسد هذه الفجوة فلا تلبث أن تنعكس هذه الزيادة النقدية في الدخول على شكل زيادة جديدة في الطلب على السلع والخدمات وإن لم تستطع الدولة – ولن تستطيع في ظل العولمة – مراقبة الواردات فإن جزءاً كبيراً من الزيادة الحادثة في الدخول النقدية سينصرف إلى السلع الأجنبية لجودتها وسهولة انسيابها وربما بسبب رخص أسعارها مقارنة بالمنتجات الوطنية التي يزيد  التضخم من قيمتها يوماً بعد يوم . والحلقة مفرغة ومستمرة فالانخفاض الذي بلازم العملة الوطنية يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات مرة أخرى وهكذا . ونحن بذلك لا نود أن نقول إن عولمة القرن الجديد كلها شر ومحن ولا نريد أن نطل على العالم الجديد بتشاؤم عريض ولكن نسأل الله العافية ونخشى أن تضطرنا اتفاقية أوروجواي أن نجلس يوماً على مائدة حوار مع أحفادنا ونقول لهم .. على نفسها جنت ” مراكش ” .

 

[1] – ميشيل تشوسودوفيسكي ، عولمة الفقر ، 1998 ، ص 6 .

[2] – العرب والعولمة ، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998 ، ص 35.

[3] – منظمة التجارة العالمية والآثار المحتملة على الاقتصاد السعودي ، الغرفة التجارية ، 1991 ، ص 11.

[4] – نفس المرجع

[5] – Http:\\ Legal.pro2net.com

[6]– منظمة التجارة العالمية ، المرجع السابق ، ص 60

[7]– د. مصطفي شيحة ، الاقتصاد النقدي والمصرفي ، ص 582.

[8] – التضخم والتنمية في الوطن العربي ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ص 24.

[9] – التضخم والتنمية في الوطن العربي ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ص 24.

[10] – الانعكاسات المتوقعة لاتفاق الجات الأخير ، الغرفة التجارية ، ص 10

[11]

[12]

هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقال اقتصادي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.