المصارف الإسلامية أسبق تعاملاً من البنوك التقليدية

المصارف الإسلامية أسبق تعاملاً من البنوك التقليدية

د. توفيق الطيب البشير

انتشر في كثير من كتابات المؤرخين في القرن الماضي وما سبقه أن نشأة النظام المصرفي بدأت في أوربا وبالتحديد في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر ومشارف القرن السابع عشر الميلادي وقد أرجع بعضهم هذه البداية إلى بنك البندقية (1587م ) وبنك امستردام (1609م ) ومن أعاد الظاهرة إلى تاريخ بعيد اعتبر أن الصينين قد سبقوا في اكتشاف بعض مظاهر العمل المصرفي في أوائل القرن التاسع الميلادي ومن أعدها إلى تاريخ قريب اعتبر أن البـداية الحقيقية للنظام المصرفي بدأت بظهوربنك انجلترا عام 1694م ([1])  .

ومما يؤسف له أننا لم نجد وصفاً محايداَ مركزاً في كتب التاريخ الحديثة يعيد إلى الأذهان مبادرات المسلمين في صدر الإسلام من معاملات يمكن ردها بالمفهوم المعاصر إلى ما يشبه النشاط المصرفي في ثوب متقدم بكثير عن تلك البدايات التي ألفها الناس عند صاغة أوربا وربما كان سابقاً لأوانه بوقت طويل .

ونحن لا نريد هنا أن نغالط هؤلاء المؤرخين فيما أثبتوه من خلفيات تاريخية إن كانوا يقصدون بذلك النشأة المؤسسية العصرية للمصارف فربما يشير هذا إلى بعض الحقيقية في كتاباتهم ويرجح ظهور مصارفنا الإسلامية خلال الأربعين سنة الماضية فقط . أما إذا كان المقصود بهذه النشأة هو مجموعة الأعمال المصرفية التي تؤديها المصارف فإننا بالطبع لن نوافقهم في ذلكط استناداً إلى ما أوردته كتب التاريخ الإسلامي عن نماذج مصرفية لنشاطات كثيرة قام بها المسلمون وتعاملوا بها منذ صدر الإسلام الأول وكانت بدايات ناجحة لا نزال نطبقها في معاملاتنا المصرفية اليومية من تجميع الودائع وتحويل الأموال وتمويل التجارة وتبادل العملات ، ولم تختلف الفكرة في شيء إلا في تطوير الوسائل المستخدمة فحسب .

 ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى معاملات الزبير بن العوام الذي كان يأخذ من قوم بمكة دراهم , ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق , فيأخذونها منه وجاء في بعض الكتب ان الزبير كان له دكان بالفسطاط وآخر بالشام وثالث بالكوفة ورابع بالبصرة وخامس بالمدينة وكانت كل هذه الدكاكين تؤدي أعمالاً مصرفية بالمفهوم الحديث بمعنى أن هذه الدكاكين كانت تقوم بما يقوم به المراسلون الآن من وكالة لتحويل الأموال ومقاصة فيما بينها وحسابات مفنوحة يتم فيها تسجيل القيود الدائنة والمدينة وإلا فكيف يستقيم عقلاً أن تقوم هذه الدكاكين بمثل هذا الدور دون أن ترتبط بشبكة اتصال وعمليات تسوية وإضافة وخصم بشكل من الأشكال وصورة من الصور ؟ هذا فضلاً عما ثبت عن هذا لصحابي الجليل المبشر بالجنة رضي الله عنه وأرضاه في صحيح البخاري من أنه كان يأخذ أموال الصحابة على سبيل القرض لا الوديعة فيستثمرها ويضمنها وكان مجموع ثروته يزيد علي خمسين مليون ومائتي ألف درهم . ([2])  

كما أننا أيضاً نود الإشارة إلى ما كان يقوم به ابن عمر من مصارفات متكررة بين الدينار والدرهم حين يبيع الإبل فيبيع بالدينار ويأخذ الدرهم وذلك في الحديث الذي أورده الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير عن بن عمر رضي الله عنهما قال ثم كنت أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فوقع في نفسي من ذلك فأتيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو في بيت حفصة أو قال حين خرج من بيت حفصة فقلت يا رسول الله رويدك أسألك أني أبيع الإبل بالبقيع   فأبيع بالدنانير  وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال لا بأس أن تأخذهما بسعر يومهما ما لم تفترقا وبينكما شيء هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ([3]) .

وفي هذا الحديث دلالات بالغة الأهمية في فهم ما كان يدور أيام الصحابة عليهم رضوان الله من أعمال لا تكاد تنفك من أعمال المصارف اليوم فمن ذلك مثلاً بيع وشراء العملات التي هي من صميم عمل البنوك اليوم وحتى في وجود مراكز للصرافة في بعض دول العالم فإن هذا النشاط من من الأنشطة الحيوية التقليدية للمصارف ثم انظر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث حينما جوز لابن عمر هذا النوع من التعامل قائلاً لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ولم يقل بسعرها أو بسعر عامها مما يدل على أن العرب كانت تتبادل العملات وكانت لديها (بورصة ) تتحدد فيها الأسعار بصفة يومية ليس مهماً أن نركز على شكل تلك البورصة وليس مهماً أن تكون مكاناً أو جهة كما هو الحال اليوم ولكن المهم هو وجود الظاهرة في ممارسات العرب قبل عدة قرون من ظهورها في أوربا وبلاد الغرب ، كما أن العبرة ليست في كثرة العملات ولكن العبرة في طبيعة التعامل لأن كثرة العملات تشير إلى فرق في المقدار وليس النوع .

أما إذا طاب الحديث عن الأوراق التجارية فالحديث ذو شجون ، فقد عُرف عن العرب منذ صدر الإسلام سبقهم في كثير من المعاملات المالية ، وقد عرفت في الحضارة الإسلامية أعمال مصرفية لم تظهر في الفكر الغربي ـ المؤسس للنهضة المصرفية الحديثة ـ إلا في أواخر القرن السادس عشر حيث البداية الحقيقية للمصارف التقليدية ومن ذلك أن العرب عرفوا  الأوراق التجارية ، وتعاملوا معها قبل وقت طويل من إكتشافها في الغرب في القرون الأخيرة . ومن الجائز أن تكون كلمة شك ( Check ) الانجليزية مأخوذة في الأصل من كلمة  ( صك ) التي استخدمها العرب منذ عهود بعيدة جداً للدلالة على مثل هذا النوع من الأوراق .

يقول البروفيسور حسن صادق :” مع اتساع التجارة وازدهارها ، عبر المسافات البعيدة الممتدة على طول العالم الإسلامي ، في القرون الوسطى ، عرف المسلمون وسائل تسهل العمل التجاري ، والضمان في أرجاء العالم الإسلامي المتباعدة . فقد شاع استعمال الأوراق التجارية » السفتجة ، والسند والصك والرقعة “

وفي الواقع أن أول شيك في التاريخ تم سحبه لم يكن على يد صائغ في لندن عام 1795م ، كما يردد ذلك المؤلفون من أســاتذة القانون التجاري ، وإنما كان أول شيك قد جرى سحبه حقيقة على يد صراف بغداد في القرن الرابع الهجري وأن الذي سحبه هو سيف الدولة الحمداني أمير حلب في قصة طريفة رواها أحمد أمين في كتابةه ظهر الإسلام “.

وخلاصة الأمر ، فإن عدم ظهور المصارف الإسلامية مع بداية عهد الإسلام ، لا يعني أن العرب آنذاك ما عرفوا  أعمالاً مصرفية بالمعنى الحديث ، ولكن من المؤكد أنه ما كانت هناك حاجة ماسة لقيام مؤسسات مالية متخصصة ، تساهم في الاقتصاد والحياة الاجتماعية بالقدر التي نحتاج إليها نحن اليوم وإننا بهذه الأحداث نؤكد سبق  المصارف الإسلامية للمصارف التقليدية في كثير من المخرجات المصرفية وإن كنا نعترف بسبقهم الآن في آليات التطوير وهندسة العمليات وقدرتهم الحالية على الابتكار والتجديد بسبب تقاعس المسلمين وتباطئهم وتفوق الغرب عليهم في كثير من الأمور المادية ومع هذا الاعتراف نقول :

من يهن يسهل الهوان عليه      ما لجرح بميت إيلام

المراجع:

[1] – أنظر تفصيلات ذلك في كتاب ( مقدمة في النقود والبنوك ) لمحد زكي شافعي و( مبادئ علم الاقتصاد ) لحسين عمر .

[2] – صحيح البخاري – كتاب فرض الخمس بايب بركة الغازي .

[3] – المستدرك


  • نشر بمجلة عالم الراجحي – العدد 67 – 2005
هذه المقالة كُتبت في التصنيف مقال اقتصادي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.